أحمد بن محمد ابن عربشاه
296
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال المشرقي أبو زنمة : ما أحسن هذه الكلمة وأيمن هذا النظر ، وأرصن هذه الفكرة ، وأدق معاني هذه المباني ؛ ولكن إذا رفعك الله من يضعك ، وإذا أعطاك من يمنعك وقد قال ذو الجلال ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [ فاطر : 2 ] وقال صلى الله عليه وسلم « اللهم لا مانع لما أعطيت » « 1 » . وكل الناس تطلب المعالي * ونفس الحر تأبى أن تضاما فلما بلغ بهما الكلام إلى هذا المقام قال يسار : اعلم يا فحل الفحول ، وإمام المعقول والمنقول ؛ أنى ما بالغت في الامتناع إلا لأقف على ما فيك من طباع ، أسبر ثبوت قدمك وثباتك وراء كلمك ، فلقد وجدتك في هذا الأمر الخطير فوق ما في الضمير ، وفي مواطن الاختيار أثبت جنانا من ابن الليث الصفار ، فانهض لقصدك وحركته على خيرة الله تعالى وبركته ، فإني وضعت عنان جموح هذا المرام في يد تدبيرك ، وجعلت واسطة هذا العقد جوهرة تفكيرك ، وسلك نظامه ونظام قلادته جودة تصويرك ، فإنك أهل لذلك وبرأيك تقتدى المسالك ، فابتهج أبو زنمة بهذا المقال ووثب في مقام الخدمة ، وقال : حيث انشرح صدرك لكلامي ، فسترى في وجهك مجالس قيامي ، وأنا أعلم أن معبودك سيبلغك مرامك ومقصودك ، ولكن يجب التيقظ ، وقبل الشروع التحفظ . أما التيقظ فلأمور يجعلها الملك مقتدى ولا يغفل عنها أبدا ، كما فعل الملك الظاهر الموفق أبو سعيد محمد جقمق « 2 » . [ 47 ] [ قصة الظاهر أبو سعيد جقمق : ] قال : حين اضطربت الأوامر واختلفت العساكر واصطدمت الأمور ، وخرج عليه من عساكره الجمهور ، وقل المعين ، وذلك في سنة اثنتين وأربعين ، فعصى تنكرى وتترس في حلب ، وقام بالراكمة الجلب ،
--> ( 1 ) الحديث أخرجه البخاري : كتاب الأذان ، باب الذكر بعد الصلاة ( 844 ) . ( 2 ) المالك الظاهر جقمق ، سلطان المماليك من سنة 1438 إلى سنة 1453 م ، كان وصيا على يوسف ابن برساى ، فخلعه بعد توليته بثلاثة أشهر ، وكان متشددا في الدين ، ونعمت البلاد في أيامه بالهدوء .